الآمدي

175

الاحكام

وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك ، وما اختص به المندوب من عدم اللوم على الترك فمشكوك فيه ، وليس أحدهما أولى من الآخر . وأما إذا لم يظهر من فعله قصد القربة ، فهو وإن جوزنا عليه فعل الصغيرة ، غير أن احتمال وقوعها من آحاد عدول المسلمين نادر ، فكيف من النبي عليه السلام . بل الغالب من فعله ، انه لا يكون معصية ، ولا منهيا عنه . وعند ذلك فما من فعل من آحاد أفعاله ، إلا واحتمال دخوله تحت الغالب أغلب . وإذا كان الغالب من فعله أنه لا يكون معصية ، ولا منهيا عنه ، فكل فعل لا يكون منهيا عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح : والقدر المشترك بين الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل ، دون الترك . والفعل دليل قاطع عليه . وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك ، وما اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه . هذا بالنسبة إلى النبي عليه السلام . وأما بالنسبة إلى أمته فلانه ، وإن كان عليه السلام ، قد اختص عنهم بخصائص لا يشاركونه فيها ، غير أنها نادرة ، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الاحكام المشترك فيها . وعند ذلك ، فما من واحد من آحاد الافعال إلا واحتمال مشاركة الأمة للنبي عليه السلام فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة ، إدراجا للنادر تحت الأعم الأغلب ، فكانت المشاركة أظهر . وإذ أتينا على تفصيل المذاهب وتقرير ما هو المختار ، فلا بد من ذكر شبه المخالفين ، ووجه الانفصال عنها . وأما شبه القائلين بالوجوب ، فمن جهة النص ، والاجماع ، والمعقول . أما من جهة النص ، فمن جهة الكتاب ، والسنة . أما من جهة الكتاب ، فقوله تعالى : * ( فاتبعوه واتقوا ) * ( 6 ) الانعام : 155 ) أمر بمتابعته ، ومتابعته امتثال القول والآتيان بمثل فعله . والامر ظاهر في الوجوب . وأيضا قوله تعالى : * ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) * ( 24 ) النور : 63 ) حذر من مخالفة أمره ، والتحذير دليل الوجوب . واسم الامر يطلق على الفعل ، كما سيأتي تقريره ،